ابن الجوزي
49
صفة الصفوة
يتحادر عن لحيته « 1 » . قال فمطرنا يومنا ذلك ، ومن الغد ، ومن بعد الغد ، والذي يليه إلى الجمعة الأخرى ، فقام ذلك الأعرابي أو رجل غيره فقال : يا رسول اللّه تهدّم البناء وغرق المال ، ادع اللّه لنا . فرفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يديه وقال : اللهم حوالينا ولا علينا قال : فما جعل يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا انفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة « 2 » ، حتى سال الوادي وادي قناة شهرا فلم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود . أخرجاه في الصحيحين « 3 » . وعن جابر بن عبد اللّه قال : كان جذع يقوم عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار « 4 » حتى نزل النبي صلّى اللّه عليه وسلم فوضع يده عليه ( رواه البخاري ) « 5 » . وقد روى محمد بن سعد عن أشياخ له أن قريشا لما تكاتبت على بني هاشم حين أبوا أن يدفعوا إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكانوا تكاتبوا أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم في شيء ولا يكلموهم فمكثوا ثلاث سنين في شعبهم « 6 » محصورين ، ثم أطلع اللّه نبيه على أمر صحيفتهم ، وأن الآكلة قد أكلت ما كان فيها من جور أو ظلم ، وبقي فيها ما كان من ذكر اللّه . فذكر ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأبي طالب فقال أبو طالب أحق ما تخبرني به يا ابن أخي ؟ قال : نعم واللّه . فذكر ذلك أبو طالب لإخوته وقال : واللّه ما كذبني قط ، قالوا : فما ترى ؟ قال : أرى أن تلبسوا
--> ( 1 ) يقال : تحدّر الدمع أي تنزّل . ( 2 ) الجوبة : هي الحفرة المستديرة الواسعة ( 3 ) أخرج البخاري عدة أحاديث مقاربة له في كتاب الاستسقاء ص 16 وما بعدها ج 2 وفي كتاب الأدب ص 95 ج 7 ، وأخرجه مسلم في كتاب الاستسقاء ، كما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة . ( 4 ) العشار بالكسر جمع عشراء كفقهاء ، وهي الناقة التي أتى عليها وقت الحمل عشرة أشهر وتجمع على عشراوات أيضا بضم العين وفتح الشين ، وقد عشّرت الناقة تعشيرا صارت عشراء . ( 5 ) أخرج البخاري في باب علامات النبوة ص 173 ج 4 بقوله : حدثنا إسماعيل قال : حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال : أخبرني حفص بن عبد اللّه بن أنس بن مالك أنه سمع جابر ابن عبد اللّه يقول : كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل فكان النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها فلما صنع له المنبر وكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار حتى جاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم فوضع يده عليها فسكنت . ( 6 ) الشّعب بوزن الكعب ، ما تشعب من قبائل العرب والعجم ، والجمع شعوب ، وهو أيضا القبيلة العظيمة ، وقيل أكبرها الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة بالكسر ثم البطن ثم الفخذ .